فإن الإسلام دين الفطرة التي قال فيها الحق سبحانه : { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } ( سورة الروم: من الآية 30 ) . ولأن للفطرة كثيراً من المعاني التي لا يتسع المُقام لبيانها ؛ فإنني سأقتصر على المعنى الذي يخُصُ موضوعنا وهو المعنى الذي يرى أن الفطرة تتمثل في طهارة المسلم الظاهرية والباطنية، فـأمـا طهارة الباطن فهـي متعلقة بالجانب الروحي من شخصية الإنسان ، وتعني تطهير النفس الإنسانية بمُختلف جوانبها من الشرك بالله تعالى ، وهي بذلك طهارةٌ تتطـلـب إخــلاص العـبادة لله وحده لا شريك له، وأداء الأعمال الصالحة الخيّرة طاعةً لله تعالى ، وامتثالاً لأوامره سبحانه ، وطلباً لمرضاته جل في عُلاه .
وأما طـهـارة الـظـاهر فهي مُتعلقةٌ بجوانب الفطرة العملية التي تشتمل على كل ما له علاقةٌ بجمال مظهر الإنسان المسلم وحُسن سمته ؛ لما في ذلك من ملاءمةٍ للفطرة السوية التي خلق الله الإنسان عليها في أحسن تقويم ، ولما فيها من التزامٍ فعليٍ بهدي النبوة المبارك الذي جاءت به التربية الإسلامية واضحاً جلياً ؛ فعن ابن عباس م أن النبي ض قال : " الاقتصاد و السمتُ الصالح جزءٌ من خمسة وعشرين جــزءاً مـن النبوة " ( رواه أحمد ، ج 1 ، ص 296 ) .
ولأن الإسلام دين الفطرة الذي عَرَف أسرارها، وكشف خباياها، وسَبَر أغوارها، فقد قدَّم لها ما يُصلحها وما يصلُح لها من تعاليم وسُنن وتوجيهاتٍ وآدابٍ اجتمعت كلها في التربية الإسلامية التي جاءت كالثوب الـمـنـاسـب لمختلف الأعضاء في الجسم ، والملائم لشتى الأبعاد في البدن . هذه التربية التي جاء بها مُعلم البشرية الأكبر ، وأُستاذ الإنسانية الأعظم نبينا محمدٍ بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لهداية الناس وسعادتهم في كل زمانٍ ومكان . هذه التربية التي جاءت بكل جليلٍ وجميلٍ ، وكل نافع ومُفيد ؛ وليس أدل على ذلك من خصال الفطرة أو سُنن الفطرة التي جاءت لتشكل رافداً مهماً مــن روافــد الـتـربية الجمالية في حياة الإنسان المسلم ، ولتعرض أُنموذجاً عملياً مثالياً لتربية المعلم العظيم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، ولتكفل تحقيـق مـعـنـى التوازن الشامل الذي تفتقدُه معظم الفلسفات والنظريات التربوية البشرية التي عرفها الإنسان قديماً وحاضراً .
* ما المقصود بسُنن الفطرة ؟
سنن الفطرة هي الخصال التي فطر الله الناس عليها ، والتي يكمُل المرء بها حتى يكون على أفضل الصفات وأجمل الهيئات . وقد ورد ذكرها في أحاديث نبوية مُتعددة منها :
( 1 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " الفطرة خمسٌ : الختانُ ، والاستحدادُ ، وقصُّ الشارب ، وتقليم الأظفار ، ونتف الآباطِ " ( رواه البخاري ، الحديث رقم 5891 ، ص 1036 ) .
( 2 ) عن ابن عمرٍ رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من الفطرة : حلقُ العانة ، وتقليم الأظفار ، وقص الشارب " ( رواه البخاري ، الحديث رقم 5890 ، ص 1036 ) .
( 3 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الفطرة خمس -أو خمسٌ من الفطرة -: الختانُ ، والاستحدادُ ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإبط ، وقصُّ الشارب " ( رواه مسلم ، الحديث رقم 597 ، ص 124 ) .
( 4 ) عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عشرٌ من الفطرة : قصُّ الشارب ، وإعفاءُ اللحية ، والسِّواك ، واستنشاقُ الماء ، وقصّ الأظفار ، وغسل البراجِم ، ونتفُ الإبط ، وحلقُ العانة ، وانتقاص الماء " ( رواه مسلم ، الحديث رقم 604 ، ص 125 ) .
( 5 ) عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عشرٌ من الفطرة : قصُّ الشارب ، وإعفاءُ اللحية ، والسِّواك ، والاستنشاقُ بالماء ، وقصّ الأظفار ، وغسل البراجِم ، ونتفُ الإبط ، وحلقُ العانة ، وانتقاص الماء " يعني الاستنجاء بالماء . قال زكريا : قال مصعب بن شيبة : ونسيت العاشرة ؛ إلا أن تكون المضمضة . ( رواه أبو داود ، الحديث رقم 53 ، ص 13 ) .
( 6 ) عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من الفطرة : المضمضة ، والاستنشاق " ( رواه أبو داود ، الحديث رقم 54 ، ص 14 ) .
ومن مجموع هذه الأحاديث النبوية وغيرها يتبيّن أن سُنن الفطرة ليست محصورةً في عددٍ مُعينٍ ، وأنها أكثرُ من أن تُحصر ، إلا أن من أبرزها كما جاء في بعض كتب أهل العلم ، ما يلي :
قص الشارب ، إعفاء اللحية ، السواك ، استنشاق الماء ، قص الأظفار ، غسل البراجم ، نتف الإبطين ، حلق العانة ( الاستحداد ) ، الاستنجاء ( انتقاص الماء ) ، المضمضة ، الختان ، عدم نتف الشيب ، خِضَابُ الشيب ، ترجيل الشعر .
وهنا يمكن ملاحظة أن جميع هذه السنن تُعنى بمظهر الإنسان المسلم وجمال هيئته . وأنها تعمل في مجموعها على وضع الشخصية المسلمة في وضعٍ متوازنٍ ، يُمثل الوسطية المطلوبة من الإنسان المسلم ؛ فلا إفراط ولا تفريط ، ولا غلو ولا تقصير . وليس هذا فحسب ؛ بل إن هـذه الـسـنـن تمنح الإنسان تكريماً إلهياً يأتي كأبدع ما يكون التكريم .
ويأتي هذا الموضوع ليُقدم مــن خـلال سُنن الفِطْرة أُنموذجاً فريداً للتربية الإسلامية ، يتحقق في كرامة الإنسان المسلم الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون مُستخلفاً ومُكرَّماً في الأرض، ويتمثل في توازن شخصيته المُتميزة في جوانبها المختلفة ،كما يتحقــق فـيـه أيـضـاً هدف التربية النهائي المُتمثل في استقامة الإنسان واستقامة الحياة من خلال تحقيق معنى العبودية الخالصة لله تعالى القائمة على السمع والطاعة ، والامتثال والإتباع ؛ وذلك أسمـى مــا تصـبـو إلـيـه العملية الـتـربوية عند بنائها لشخصية الإنسان المسلم .
= سُنن الفِطْرَة أُنموذج تربوي نبوي :
من المُسلمات أن كل تربيةٍ تحتاج إلى أُنموذجٍ واضحٍ يُجسد معالمها، ويوضح تعاليمها بصورةٍ واقعيةٍ تنقل المجرد إلى محسوس ، وتُترجم القول إلى عمل ، وتحول النظرية إلى تطبيق . ومن المؤكد أنه لا يوجد أعظم ولا أكمل ولا أفضل ولا أجمل من شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتكون أُنموذجاً حياً للتربية الإسلامية ، وقدوةً حسنةً للإنسان المسلم في كل زمان وأي مكان . ولا ريب فهو من اصطفاه ربه سبحانه وتعالى وقال فيه : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } ( سورة الأحزاب : الآية رقم 21 ) .
وهو الذي بعثه الله جل جلاله ليكون معلماً ومزكياً ومربياً لأُمته ، فقال سبحانه وتعالى: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي

























السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.
لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ
[آل عمران:92].


